أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
43
العقد الفريد
وتمّ في الحسن والتامت محاسنه * ومازجت بدعا فيها غرائبه وأشرق الورد في نسرين وجنته * واهتزّ أعلاه وارتجّت حقائبه « 1 » كلمته بجفون غير ناطقه * فكان من ردّه ما قال حاجبه ثم سكت ، فغنى زنين : الحبّ حلو أمرّته عواقبه * وصاحب الحبّ صبّ القلب ذائبه « 2 » أستودع اللّه من بالطّرف ودّعني * يوم الفراق ودمع العين ساكبه ثم انصرفت وداعي الشوق يهتف بي * ارفق بقلبك قد عزّت مطالبه وقال : وعاتبته دهرا فلما رأيته * إذا ازداد ذلا جانبي عز جانبه عقدت له في الصدر منّي مودّة * وخلّيت عنه مبهما لا أعاتبه ثم سكت ، فغنى دبيس : بدر من الإنس حفّته كواكبه * قد لاح عارضه واخضرّ شاربه إن يوعد الوعد يوما فهو مخلفه * أو ينطق القول يوما فهو كاذبه عاطيته كدم الأوداج صافية * فقام يشدو وقد مالت جوانبه « 3 » قال أبو عكرمة : فعجبت أنهم غنّوا بلحن واحد وقافية واحدة . قال أبو عيسى : يعجبك من هذا شيء يا أبا عكرمة ؟ فقلت : يا سيدي المنى دون هذا . ثم إن القوم غنّوا على هذا إلى انقضاء المجلس : إذا ابتدأ المسدود تبعه الرجلان بمثل ما غنى ؛ فكان مما غنى المسدود : يا دير حنّة من ذات الأكيراح * من يصح عنك فإني لست بالصّاحي « 4 »
--> ( 1 ) الحقائب : جمع حقيبة ، وهو العجز . ( 2 ) الصبّ : العشق الشديد . ( 3 ) الودج : المتواصل ، والذي في منزلة الأخ . ( 4 ) الاكيراح : موضع بظاهر الكوفة .